مكتبة القصص » المستبصرين » بنور فاطمة اهتديت » الجزء التاسع - الفصل الرابع: القسم الخامس - بنور فاطمة اهتديت

 الجزء التاسع - الفصل الرابع: القسم الخامس - بنور فاطمة اهتديت  أضيف في: 24-1-1432هـ

:: بنور فاطمة اهتديت ::
:: الفصل الرابع: القسم الخامس ::


فدك الرمز

تعرفنا على الزهراء من خلال القرآن فكانت المثال الأعلى للإيمان والتقوى والورع والزهد والعصمة .. تجلت لنا أسمى معاني الايثار في الزهراء ومع أهل البيت (ع) .. يجودون بطعامهم للمسكين واليتيم والأسير لقد مدحها الله مع أبيها وبعلها وبنيها فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ووصفهم بأنهم الموفون بالنذر الخائفون من يوم كان شره مستطيرا وهو تعالى القائل عن لسانهم (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا) ثم جعل سبحانه وتعالى مودتهم أجرا للرسالة والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحدث عن ابنته فتفيض كلماته لتعطي الزهراء (ع) هالة من القدسية يتوقف عندها كل القديسين والأولياء إجلالا لعظمتها ، فاطمة (ع) هذه الشامخة المدركة تماما أنها ما خلفت إلا للآخرة .. إنها كانت من الصنف الذي لا يقيم لحطام الدنيا وزنا وهي التي أهدت حتى ثياب عرسها لسائلة مسكينة ليلة زفافها كما جاء في التاريخ (روى ذلك الشيخ عبد الرحمن الصفوري الشافعي في نزهة المجالس ج 2 ص 226 ط القاهرة) ... وهي من علمت أخي القارئ من خلال استعراض آيات الذكر الحكيم التي نزلت فيها إضافة إلى كلام أبيها وسيرتها العطرة ... فاطمة الزهراء (ع) التي عرفتها هي أكبر من أن تطالب بقطعة أرض.
يا ترى لماذا كان إصرارها على المطالبة بحقوقها المادية المتمثلة في فدك وغيرها من الخمس والميراث ؟! إنها لم تكن حريصة على امتلاك شيء مآله إلى الزوال في هذه الدنيا ومن المستحيل أن ندعي على الزهراء بأنها قلبت الدنيا على الخليفة الأول من أجل شيء يرتبط بالدنيا .. لا سيما أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرها بقرب موتها وسرعة لحاقها به. لا بد من أن يكون هنالك شيء عظيم استهدفته الزهراء من مطالبتها بفدك ، من مجمل الأحداث التي اطلعت عليها أثناء بحثي توصلت إلى مغزى مطالبة فاطمة بفدك ومن ثم اتخاذها ذلك الموقف من الخلفاء وغضبها ودفنها ليلا وسرا.
بعيد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة حدث الاختلاف حول الخلافة ، البعض ينادي بخلافة علي (ع) وأهل البيت وآخرون يرون شرعية ما جرى في السقيفة من تولية لأبي بكر .. إن الأحداث بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذت بعدا آخر ولم تكن فدك فيها إلا حلقة من حلقات الصراع بين أصحاب السقيفة وأهل البيت (ع) المعارضين لها بقيادة علي وفاطمة (ع) .. وكان بيت فاطمة هو ملتقى تلك المعارضة يقول ابن قتيبة في تاريخه إن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوما تخلفوا عن بيعته في دار علي وفاطمة فأبوا أن يخرجوا فدعا عمر بالحطب ، يريد منهم أن يبايعوا بالإكراه والقوة ، وقال : والذي نفس عمر بيده. لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها. فقيل له يا أبا حفص إن فيها فاطمة فقال : وإن .. فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها فقالت : لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضرا منكم تركتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقنا ( تاريخ الخلفاء ج 1 ص 12).
لقد أطلقت فاطمة (ع) صوت المعارضة وحملت مشعل الحقيقة لتبين للجماهير التي اشتبه عليها الأمر وطالبت بفدك وأثبتت بذلك للتاريخ كله أن خلافة تقوم في أول خطوة لها بالاعتداء على أملاك رسول الله صلى ليست امتدادا له بقدر ما هي انقلاب عليه كما هو الشأن في كل الانقلابات التي تتم في العالم حيث تتم مصادرة أملاك السابقين وأي شخص يتجرد من العصبية المذهبية ويفهم أوليات السياسة يدرك مغزى مصادرة (فدك) وإخراج عمال فاطمة منها وبالقوة أو كما يعبر صاحب الصواعق المحرقة انتزاع فدك من فاطمة . ولم تكن فدك قطعة الأرض ، هي مقصد فاطمة (ع) بل الخلافة الإسلامية التي كانت حقا لزوجها علي بن أبي طالب كما سنبين ويمكن تلخيص أسرار المطالبة بفدك في الآتي :
1 ـ إن فاطمة كغيرها من البشر تطالب بحقها سواء كان ذلك نحلة أو هبة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ميراثا أو حقوقا شرعية كالخمس ، ومن هذا الحق الطبيعي انطلقت الزهراء لتعري القوم وتكشف عن حقيقتهم ، والحكمة كانت تقتضي أن تكون المبادرة من الزهراء (ع) بعد أن استولى الحاكم الجديد على جميع امتيازات الهاشميين .. وكانت مطالبة علي بن أبي طالب وبقية الهاشميين بحقوقهم صعبة في ظل تلك الظروف التي رفض فيها هؤلاء مبايعة الخليفة وإمضاء ما جرى في السقيفة وأي محاولة منهم للتحرك كانت تعني إعطاء الطرف الآخر المبرر للتصفية التي كانت تلوح في الأفق من خلال كلمات جماعة السقيفة وهم يتشاورون ويبحثون عن طريقة يجبرون بها الهاشميين وعلى رأسهم علي (ع) على البيعة.
2 ـ لقد رأت الزهراء في المطالبة بفدك فرصة طيبة للإدلاء برأيها حول الخلافة وكانت لا بد من أن تدلي بتصريحاتها أمام الجماهير فاختارت المسجد المكان المناسب حيث معقل الخلافة هنالك وحيث كان أبوها يلقي الحديث تلو الحديث عن فضلها ومكانتها عند الله وصدقها وزهدها وقدسيتها ، ولذلك عرفت نفسها في الخطبة قائلة واعلموا أني فاطمة وأبي محمد وانطلقت في مهمتها الرسالية لتظهر حال ومآل الخلافة ، وتكشف الحقائق ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
3 ـ كانت الخلافة المغتصبة هي محط أنظار البتول الطاهرة (ع) فجاءت مطالبتها الحثيثة بفدك وغيرها من الحقوق وبعدها يفسح لها المجال لتطالب بالأمر الذي اختص به زوجها وهو ولاية أمر المسلمين .. وأصبحت فدك ترتبط بالخلافة بلا فاصل كما تحول محتواها وكبر معناها فلم ينحصر في قطعة الأرض المحدودة بل صار معناها الخلافة والبلاد الإسلامية كاملة ..
وذلك ما وضحه حفيدها الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) حينما ألح عليه الرشيد العباسي في أخذ فدك ، قال له الإمام : ما آخذها إلا بحدودها ، قال الرشيد : وما حدودها ، قال (ع) : الحد الأول عدن والحد الثاني سمرقند والحد الثالث إفريقية والحد الرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية فقال له الرشيد ، فلم يبق لناشيء فتحول من مجلسي ـ أي إنك طالبت بالرقعة الإسلامية في العصر العباسي بكاملها ـ فقال الإمام :
قد أعلمتك أني إن حددتها لم تردها. فدك إذا هي التعبير الثاني عن الخلافة الإسلامية والزهراء (ع) جعلت فدك مقدمة للوصول إلى الخلافة.
ذكر ابن الحديد في شرحه قال : سألت علي بن الفارقي مدرس مدرسة الغربية ببغداد فقلت له : أكانت فاطمة صادقة ؟ قال : نعم
قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة ؟ فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته قال : لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها ، لجاءت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكنه الاعتذار والمدافعة بشئ ، لأنه يكون قد سجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود (شرح النهج ج 16 ص 284) ومما يؤكد دعوانا في أن الخلافة كانت في الهدف الأساسي ما جاء في الإمامة والسياسة من قول ابن قتيبة .. وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله لقد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ، ما عدلنا به فقال علي كرم الله وجهه : أفكنت أدع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيته لم أدفنه ، وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟ فقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم (الإمامة والسياسة ج 1 ص 12).

لقد كان لفاطمة (ع) موقف واضح من الخلافة حتى أن بيتها كان عند جماعة السقيفة هو مركز المعارضة حتى قال عمر في روايته لما جرى في السقيفة بعد أن ذكر أنها فتنة ولكن الله وقى شرها المسلمين يقول : وإن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة (الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 325). تجمع الهاشميون في بيت فاطمة (ع) وأعلنوا معارضتهم لما جرى في السقيفة ومعهم بعض الأنصار الذين كانوا يهتفون : لا نبايع إلا عليا كما ينقل ابن الأثير ثم يقول وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة ، وقال الزبير : لا أغمد سيفا حتى يبايع علي فقال عمر : خذوا سيفه واضربوا به الحجر (الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 327). وجاء في تاريخ اليعقوبي أن البراء بن عازب جاء فضرب الباب على بني هاشم وقال : يا معشر بني هاشم بويع أبو بكر فقال بعضهم : ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه ونحن أولى بمحمد. فقال العباس : فعلوها ورب الكعبة (تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 124). وينقل أيضا أنه قد تخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب منهم العباس والفضل بن العباس والزبير والمقداد وسلمان وعمار وبلغ أبا بكر وعمر أن هذه الجماعة قد اجتمعت مع علي في منزل الزهراء فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار (تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 125 ـ 126). إذا لقد تابعت الزهراء أحداث المعارضة بكل تفاصيلها لأنها انطلقت من بيتها ، وكما هو معلوم تختلف أدوار المعارضة من شخص إلى آخر ، واتكأت فاطمة (ع) على شخصيتها الطاهرة المقدسة التي عرفهم بها القرآن والرسول فأعلنت المعارضة كما هو واضح من النصوص التاريخية التي استعرضناها ، وكانت المطالبة بفدك ، لكن القوم أبوا إلا أن يسدوا كل المنافذ التي كانت تفتح لإيصال كلمة الحق للناس ، ومع ذلك يظل موقف الزهراء نورا به يستكشف الحق لمن أراده حقيقة. لقد كانت الفترة ما بين وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حين وفاة ابنته فاطمة الزهراء (ع) منحنى خطيرا في تاريخ الأمة الإسلامية ترك بصماته واضحة لمن ألقى السمع وهو شهيد. وكان لفاطمة (ع) الدور الرئيسي في هذه الفترة وفي مقابل ذلك لم يسكت أصحاب السقيفة مكتوفي الأيدي وهم يرون الزهراء (ع) تفعل ما تفعل فكان لا بد لهم من محاولة إسكات هذه الصرخة فجرت الأحداث ساخنة كما تذكرها كتب التاريخ والسير.



:: الكاتب السوداني السيد عبد النعم حسن ::

 

ناقل/كاتب القصة : السيد عبد النعم حسن انقر هنا لمراسلة السيد عبد النعم حسن أنقر هنا للإنتقال إلى موقع السيد عبد النعم حسن إضافة للمفضلة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات القصة : ارسل القصة لصديق ارسل القصة لصديق  طباعة القصة طباعة القصة  حفظ القصة كملف Word حفظ القصة كملف Word  حفظ القصة كملف PDF حفظ القصة كملف PDF

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا القصة


خلاصة RSS للقصص