مكتبة القصص » المستبصرين » بنور فاطمة اهتديت » الجزء الثالث - الفصل الثاني: البحث في التاريخ ضرورة - بنور فاطمة اهتديت

 الجزء الثالث - الفصل الثاني: البحث في التاريخ ضرورة - بنور فاطمة اهتديت  أضيف في: 24-1-1432هـ

:: بنور فاطمة اهتديت ::
:: الفصل الثاني: البحث في التاريخ ضرورة ::


ونحن ندخل في خضم هذا البحث لا بد من سبر أغوار التاريخ والتعرف على مجريات الحوادث فيه ... لكن هنالك بعض الفئات التي تعتقد أنها بلغت مرحلة من التقوى والورع تثير شبهة تبلورها في شكل أسئلة تبرر التقاعس في البحث عن الحقيقة ! وهي ... لماذا نبحث في شيء مضى وما هي الفائدة من إثارة مواضيع من زمان غابر ؟ وأين هي الخلافة التي اختلف فيها علي (ع) مع أبي بكر ؟! وأسئلة أخرى تصب في هذا الاتجاه توحي بأحد أمرين إما انحراف فكري عند صاحبها ، أو غبار وجهل يلفه .. وحتى تنقشع حجب الشبهات عن البعض سأتحدث في محورين : الأول التاريخ في القرآن ، والثاني تأثير التاريخ على حاضرنا ومستقبلنا كأمة إسلامية الواجب عليها بناء حضارة تقارع الحضارة المادية المهيمنة ثم أعقب بنماذج من انحرافات الأمم السابقة في القرآن الحكيم.

أولا : ـ التاريخ في القرآن : المتأمل في القرآن الحكيم يجد أنه كثيرا ما يتحدث عن قصص الماضين ... وبلا شك هذا ليس لغوا زائدا ولا هو كما يدعي البعض لتسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط ، بل هو بيان لثبات السنن الإلهية فيما يخص الصراع بين الحق والباطل ، ولو كانت هذه القصص خاصة بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط لما كان منها فائدة تذكر بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
والله تعالى يقول ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) (سورة يوسف : آية / 3) ويقول ( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ، وقد آتيناك من لدنا ذكرا ) (سورة طه : آية / 99) ويقول ( فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) (سورة الأعراف : آية / 176) ويقول عز وجل ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) (سورة يوسف : آية / 111) ... .وغيرها من الآيات الواضحة التي تلفت انتباهنا للتفكر والتدبر في التاريخ ، وهذه النتيجة لا تحتاج إلى تفكر بل هي من البديهيات المسلمة ولكن البعض يرفضها بحجة أنها إثارة للفتن وكأنما القرآن هو المثير للفتنة ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) (سورة محمد : آية / 24). وإنني على يقين بأنه لو كان هنالك كتاب منزل من السماء بعد القرآن لقص علينا ما جرى بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على أهل بيته من ظلم واضطهاد وتنحية عن مراتبهم التي رتبهم فيها الله عز وجل ، ولكن شاء الله بحكمته وإرادته أن يكون محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء والمرسلين والقرآن هو الدستور الحاكم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وبما أن الأمة تفرقت شيعا وطوائف وجب البحث في قضايا التاريخ عن جذر هذه الانحرافات الموجودة في الأمة ، وفي نهاية هذا الفصل سنذكر أمثلة من الانحرافات التي حدثت في الأمم السابقة والتي يمكن أن نجد لها مصداقا في واقع الأمة الإسلامية.

ثانيا : ـ التاريخ ضرورة للحاضر. تفصل بيننا وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حقبة زمنية طويلة نحتاج فيها للتاريخ شئنا أم أبينا فهو ضروري لفهم شريعة السماء ، وكل ما نتعبد به وصل إلينا عبر التاريخ ، القرآن والسنة والحديث والسيرة والفقه وغيرها فكيف يتسنى لنا طي هذه المسافة الزمنية التي تجاوزت الأربعة عشرة قرنا إذا لم نبحث التاريخ ... بلا شك إن العقلاء لا يقرون إهمال التاريخ وطيه وإغفال العبر والدروس التي يمكن استخلاصها منه.

ونحن أمة تهئ نفسها للانطلاق فلا بد لنا من النظر إلى التاريخ بعقل مستبصر ببصائر الوحي ... لا نقبله بعلاته على أساس أنه مقدس فنقدسه بأجمعه تقديسا أعمى ولا نرفضه كليا ، لأن تقديس التاريخ يقودنا إلى تكريس سلبيات السابقين لأننا نقدسهم فنتأسى بهم كما فعلت السلفية وهي نظرية لكنها في الواقع تصبح منهجا للعمل ينعكس على سلوكنا.

كيف يمكننا أن نقدس معاوية مع تقديسنا لعلي (ع) وهل يعقل أن نجعل الحسين بن علي ويزيد بن معاوية في كفة واحدة ؟ إن التقديس الأعمى للتاريخ يجعلنا لا نفرق بين الظالم والمظلوم ، بين القاتل والمقتول ولا بين الطاغية والمجاهد. وبما أننا عرضة للخطأ ونحن نسعى لحمل أمانة السماء يجب علينا أن نتلافى المزالق التي وقع فيها السالفون ، ولا يمكن لنا أن نتلافاها إلا بتشخيصها وهذا يتطلب وضعها تحت مجهر البحث والتنقيب ... ولأن تقديسنا ليزيد يعني إعطاءنا الشرعية له وبالتالي لكل طاغية في كل زمان ، لا بد لنا من رفض يزيد ليس لأنه ابن معاوية إنما لانحرافه عن الجادة فوجب علينا أن نفترق عنه وننزع قناع العظمة الذي ألبسه له من قدسه. كما لا يمكننا إلغاء كل التاريخ أو الانتقاء منه بأهوائنا وشهواتنا ورغباتنا لأننا بإلغائه نلغي سنن القرآن والسنة بل كل الإسلام.

إذا عزيزي القارئ يجب علينا أن نتبصر أحداث ونقف على المنعطفات التي مرت عليها الأمة وأن نحدد من يصلح لنا قدوة من غيره حتى نستفيد لحاضرنا فنتقدم لمستقبل مشرق ، وبلا شك أمة لا تفرق بين علي (ع) ومعاوية ولا بين الحسين (ع) ويزيد أمة لن تتقدم بل هذا أحد أهم الأسباب لتخلفنا الراهن. وفيما أنا بصدده لا استغناء عن التاريخ الذي له المدخلية الأولى في فهم لانحراف الذي حدث في الأمة فتنكبت الطريق وبعدت عن الصواب ... أما أولئك الذين ينادون بعدم البحث في التاريخ بحجة إثارة الفتن وعدم جدوائية ذلك يخافون من انكشاف الواقع وفضح مأسي الأمة التي اختارتها بكامل إرادتها وهي تبتعد عن نهج الحق. ولا يهمنا ونحن نبحث عن الحقيقة في صفحات التاريخ أن تتساقط الشخصيات ويتعرى البعض من هالته القدسية المصطنعة حوله ، لأنه لا ترجيح للشخصيات في ميزان الحق إلا لمن أخلص له والتزم به وحجتي إن شاء الله مما حفظه لنا التاريخ.

ثالثا ـ نماذج من انحرافات الأمم السابقة في القرآن الحكيم : ذكر القرآن الكريم مرارا وتكرارا قصص الأنبياء والرسل السابقين لعلم الله تعالى بما سيجري في هذه الأمة كما جرى في الأمم السالفة وأكد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك بحديثه الصحيح « لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قالوا : يا رسول الله : اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ! ».

وعندما تتجول عزيزي القارئ في ربوع الآيات الكريمة وهي تقص عليك قصص السالفين ستجدها تتحدث في إطارين رئيسيين :

الاطار الأول : ـ تثبيت أن سنة الصراع بين الحق والباطل مستمرة ما دامت السماوات والأرض. ومما لا يخفى على الجميع خصوصا أولئك الذين استناروا ببصائر الوحي من القرآن الحكيم أن هنالك حقا وباطلا فلا يوجد حق نسبي ولا باطل نسبي .. إما حق أو باطل وما بينهما مساحة للباطل ( فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ) (سورة يونس : آية / 32) خصوصا وأن الصراعات التي تدور تكون بعد تبيين الحق ، وكما سنرى فإن القرآن بدقته وبلاغته يبين لنا هذه الحقائق. وإليك بعض الآيات الواردة في هذا الشأن : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ، ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) (سورة البقرة : آية / 253).

تتحدث الآية الكريمة عن عدة أمور :
1 ـ عن الرسل والرسالات عموما : إن كلمة رسول ورسل عندما تأتي في سياق الآيات المباركة غالبا ما يدور حديثها حول أمر يرتبط بالرسالة ، والاقتتال الذي يحدث بعد الرسل بين قومهم إنما هو انقلاب على الرسالة ، وظلال كلمة الرسول في مثل هذه الآية توحي بأن ظاهر الاختلاف ليس حول شخص الرسول إنما في رسالته يقول تعالى ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) (سورة آل عمران : آية / 144) وبما أن رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وآله) يدخل ضمن دائرة الرسل فإن الآية التي يدور الحديث حولها تشمل سيدنا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم). خاصة وأن الآية السابقة تؤكد على صفة الرسالية وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسل كما كان غيره مرسلين ( وإنك لمن المرسلين ) (سورة البقرة : آية / 252) ويقول تعالى حاكيا عن لسان حبيبه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ( قل ما كنت بدعا من الرسل )(سورة الأحقاف : آية / 9) وبتقريب أكثر فإن السنن التي كانت في السابقين لن تتوقف عند أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

2 ـ وعن التفضيل بين الرسل : حتى لا يدعي مدع بأن الأفضلية لها دور في حماية الناس من الاختلاف بعد أفضل الأنبياء والمرسلين ، وكثيرا ما أسمع من البعض أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء وأفضلهم فكيف تختلف أمته من بعده ؟.
أقول : صحيح أن نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أفضل الأنبياء وأكملهم ولكن ذلك لا يجعل أمته خارج دائرة السنن الإلهية وهذا ما أكد عليه القرآن يقول تعالى ( سنة من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ) (سورة الإسراء : آية / 77) ويقول ( فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ) (سورة فاطر : آية / 43). إن حدوث الاختلاف من بعده لا يقدح في أفضليته ، إنه كغيره من الرسل الذين جاؤوا لأقوامهم حتى يخرجوهم من الظلمات إلى النور ولكن كل قوم كذبوا رسولهم وانقلبوا على رسالته من بعده وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بدعا من الرسل كما أوضحنا بل إن نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أوذي أكثر من غيره كما جاء عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلماذا لا يكون الاختلاف من بعده أكبر وأخطر من الاختلاف الذي كان في أقوام الرسل السابقين.
يقول ابن كثير (وقال هاهنا تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله) يعني موسى (ع) ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (تفسير ابن كثير ج 1 ص 263) وبناء على قوله هذا يكون الاختلاف بعد الرسل يشمل أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
من خلال الآية الكريمة نرى أن الاختلاف دائما ما يكون بعد أن تأتيهم البينات ويعرفوا الحق ويتبينوا الأمر بواسطة الرسول ، ومعنى ذلك أنه لا يجدي التمسك بشماعة التبرير المعروفة باسم « الاجتهاد ». والواقع العملي في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يرينا أن الاختلاف وقع فيها كالأمم السابقة وبعد أن بين لهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معالم الصراط المستقيم ونصحهم وهو القائل « ما من شيء يقربكم إلى الجنة ويبعدكم عن النار إلا وأمرتكم به ». يقول سيد قطب في تفسير الآية (ولم تغن وحدة جماعة الرسل في طبيعتهم ووحدة الرسالة التي جاؤوا بها كلهم لم تغن هذه الوحدة عن اختلاف أتباع الرسل حتى ليقتتلون من خلاف) (في ظلال القرآن ج 1 ص 284).

3 ـ وأن نتيجة هذا الاختلاف : أن فريقا تمسك بالحق فآمن وآخر حاد عنه فكفر ، وذلك يعني أنهم ليسوا في مرتبة واحدة أو أنهم جميعا على الحق. لكن لماذا يكون الاختلاف بعد البينات ؟ هذا ما تكفلت بالإجابة عليه مجموعة من الآيات التي تكررت في القرآن الكريم ليؤكد الله سبحانه وتعالى استمرار السنن في الأرض ويبين طبيعة الإنسان الظلمانية التي تنجذب دائما لرغباته وأهوائه وجهله .. يقول تعالى : ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ) (سورة البقرة : آية / 213) ، (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) (سورة آل عمران : آية / 19) ، ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) (سورة الشورى : آية / 14) ، ( وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) (سورة الجاثية : آية / 17). نجد أن الآيات القرآنية تربط دائما بين الاختلاف والبغي ، و (معناه) في اللغة كما جاء في لسان العرب لابن منظور : التعدي ، وبغى الرجل علينا بغيا : عدل عن الحق واستطال ومعان أخرى تدل على سوء النية وهي كما لا يخفى مغايرة لمعنى الاجتهاد الذي أصبح صكا يعصم كل المنحرفين عن المسألة والمحاسبة

4 ـ كما نجد في هذه الآيات :أن الاختلاف يكون بين الذين أوتوا الكتاب أي أنهم عالمون بالحق ويدركون جهته ولكنه البغي فتأمل أيها المؤمن وتدبر ، تلك آيات الله ( ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ) (سورة آل عمران : آية / 19).
الاطار الثاني : كثيرا ما يضع الفرد منا مباني يبني عليها طريقة تفكيره وتقييمه للأحداث وفي الغالب يكون نقاشنا لأي قضية من زاوية عاطفية أو بمنطق موروث مقدس لا يعطي للآخرين فرصة للحوار والنقاش ، ومثال ذلك الحديث الذي يدور حول الصحابة الذين عاشوا مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبقوا حتى وفاته وامتدت أعمار بعضهم إلى أمد طويل هل يمكن وضعهم في ميزان العدالة لتصنيفهم أم أنه لا يجوز لنا ذلك باعتبارهم عاشوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذوا منه الدين ولا يمكن نقدهم ؟! لا أريد مناقشة نظرية عدالة الصحابة عند أهل السنة والجماعة الآن إنما ذلك متروك للأبواب الآتية التي سنناقش فيها ما حدث منهم بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أما الآن فنحن بصدد أخذ بصائر من القرآن الكريم تفيدنا في بحثنا هذا ونستدل بقصتين تفصيليتين من الأمم السابقة ذكرتا في القرآن ثم نحاول أن نتدبر فيهما لنخرج بقاعدة كلية تعيننا في مسيرتنا هذه.

القصة الأولى : بلعم بن باعوراء مع نبيه موسى (ع)
يقول تعالى ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ، ولوشئنا لرفعناه بها لكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) (سورة آل عمران : آية / 175 ـ 176).
يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات « هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء كان يعلم الاسم الأكبر وآتاه الله آياته وهو من العلماء من أتباع موسى (ع) بعثه إلى ملك مدين يدعوه إلى الله فأقطعه وأعطاه ، فتبع دينه وترك دين موسى (ع) ! » ويواصل ابن كثير في سرد قصته ويقول : « إن بني عمه أتوا إلى بلعم وقالوا له إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يرد موسى ومن معه قال إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي فلم يزالوا به حتى دعا عليهم » موسى وأتباعه « فسلخه الله مما كان عليه » وفي قوله تعالى ( لوشئنا لرفعناه بها ) يقول ابن كثير « أي لرفعناه من الدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي أتيناه إياها (ولكنه أخلد إلى الأرض) أي مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها وأقبل على لذاتها ونعيمها وغرته كما غرت غيره من ( أولى البصائر والنهي )» (تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 23).

يظهر جليا من خلال الآيات وكلام ابن كثير حولها أن بلعم هذا بلغ درجة من الإيمان والتقوى والورع حتى أعطي آيات الله والاسم الأعظم وذلك يعني أنه عالم كبير وكان من أتباع موسى (ع) ولكنه مال إلى أهوائه وشهواته واغتر بالدنيا فأضحى كالكلب. هذه القصة ذات الأسلوب البليغ في السرد تعطينا بصيرة مهمة جدا نستطيع من خلالها أن نبدأ التوغل في عمق التاريخ بلا وجل ، فها هو القرآن ينسف قاعدة العدالة المطلقة والقدسية لغير المعصوم ، وهذه الآيات دلالتها واضحة على أن الإنسان مهما بلغ في العلم والتقوى بإمكانه في أي لحظة أن يخلد للأرض ويكفر بنعم الله تعالى وهذه نقطة مهمة إذ كثيرا ما تثار قضية عدالة الصحابة وأنهم لا يمكن أن يخونوا أمانات الله والرسول ! وإذا سألتهم ما الدليل ؟ قالوا : عاشوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجاهدوا معه ، ولكن القرآن الحكيم الذي فيه نبأ من كان قبلنا وفصل الذي بيننا وخبر ما بعدنا بين هذا الأمر ، حتى ولو فرضنا محالا أن جميع الصحابة بلغوا مرحلة من التقوى والورع فإنه يبقى هنالك إمكان بعدم التزامهم بالحق حتى آخر نفس في حياتهم ... والحال أننا لم نسمع بأن أحدهم كان يملك الاسم الأعظم !!.

يبقى الأصل القرآني « إن جميع الخلق ما عدا المعصومين معرضون للزلزلة والابتلاء ومن ثم النجاح أو الفشل فيه فالانتقال من جهة الحق إلى الباطل حتى ولو بلغوا أعلى درجة من التقوى والمقياس الحقيقي هو الاستقامة في طريق الحق والالتزام به كاملا ». بعد هذا لا أظن أن أحدا يحتاج أن يمد عنقه قائلا بعدم إمكان تخلي بعض الصحابة عن الحق في أي لحظة من دون أن ينكر حقيقة وقاعدة قرآنية ، ولكن بالإمكان السؤال عن مصداق ذلك في أمة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والتفصيل متروك لمحله.

يقول محمد علي الصابوني في تفسير آخر هذه الآية ( فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) أي أقصص على أمتك ما أوحينا إليك لعلهم يتدبرون فيها ويتعظون) (صفوة التفاسير ج 1 ص 482) فهلا تدبرنا واتعظنا.

القصة الثانية : السامري وهارون مع بني إسرائيل قال الله تعالى ( قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ، قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ، ألا تتبعن أفعصيت أمري ، قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ، قال فما خطبك يا سامري ، قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي ) (طه / 83 ـ 97).

قبل أن نبدأ في شرح قصة السامري الذي انقلب على خليفة موسى « هارون (ع) » هنالك ملاحظة هامة نلحظها في القرآن الكريم وهي (التركيز على قصص بني إسرائيل) ترى لماذا هذا التركيز ؟ لا بد من وجود حكمة تقتضي ذلك.

في الواقع هناك شبه كبير بين بني إسرائيل وأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولعل أبرز نقاط التشابه كما سيتضح من خلال الأحداث التاريخية ما جرى لموسى وهارون (ع) من بني إسرائيل وما جرى لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (ع) من هذه الأمة وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » له مغزى ودلالات عظيمة ، وما أورده ابن قتيبة في تاريخه الإمامة والسياسة يبين لنا جانبا من التشابه بين الأمتين ... يقول في معرض قصة طلب عمر من علي (ع) البيعة لأبي بكر بقي عمر ومعه قوم أمام بيت فاطمة (ع) فأخرجوا عليا فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا له : بايع فقال : إن لم أفعل فمه ؟ قالوا : إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك. فقال : إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله ... إلى أن قال ابن قتيبة : فلحق علي بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصيح ويبكي وينادي : يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلوني (الإمامة والسياسة تاريخ الخلفاء : ج 1 ص 12) وهذا ما قاله هارون لموسى (ع).

أما السامري كما ورد في التفاسير ومجمل الكتب التي أوردت قصص الأنبياء فإنه ربيب جبرائيل تعهده منذ الصغر حينما كان فرعون يقتل كل ذكر يولد في بني إسرائيل ، ويوم نزل جبرائيل (ع) حتى يأخذ موسى إلى الميقات أخذ السامري قبضة من أثره وألقى به في جسد العجل المصنوع من الحلي فأصبح له خوار. وما يهمنا من القصة أن السامري كان من أصحاب موسى (ع) وكما هو واضح بلغ مرتبة عظمي حتى قال (بصرت بما لم يبصروا به) وكان له من العلم ما لم يكن لغيره وحظي بمشاهدة جبرئيل واستطاع بكل ذلك أن يضل بني إسرائيل الذين اتبعوه باعتبار أنه ذو مكانة ... فسولت له نفسه الأمارة بالسوء فكان عمله الباطل الذي أضل به القوم ...

السؤال الآن ، هل يمكن أن نجد في تاريخ الأمة الإسلامية وواقعها بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مصداقا لمثل هذا الانحراف ؟ مع علمنا التام بأنه لا يوجد أحد من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحلم برؤية جبرئيل على حقيقته ومعرفته وامتلاك بعض الأسرار الإلهية المكنونة في أثره ... صحيح أن جبرئيل كان يأتي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صورة رجل يسأله عن أمور الدين ولكن ما كان الصحابة يعرفونه إلا بعد مغادرته وبيان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فأين كان السامري وأين هم الصحابة ؟.

وعند البحث في جذور انحراف الأمة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سترى مدى تطابق الأحداث التاريخية مع القصص القرآنية خصوصا قصة بني إسرائيل.

وفي ختام هذا الفصل (أعرض عليك عزيزي القارئ سببين رئيسيين يذكرهما القرآن لأنهما يمنعان الإنسان من الاهتداء إلى الحق ، أو الالتزام به بعد معرفته ، وهذان السببان يعترضان أي إنسان في أي مكان وأي زمان.

أولا : تقديس ما توارثناه عن آبائنا وأجدادنا وهي مشكلة كبيرة ذمها القرآن باعتبارها عائقا وحائط صد منيع يجب تجاوزه خصوصا في مسألة الاعتقاد والتي نسأل عنها باعتبارها تكليفا عينيا بعيدا عن الانتماءات الأسرية والاجتماعية وغيرها ... يقول تعالى :
( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) (سورة البقرة آية / 170).
( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ) (سورة الزخرف : آية / 23 ـ 25).
( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) ( سورة لقمان : آية / 21).
وغيرها من الآيات التي تتحدث حول هذا الموضوع.

ثانيا : الاستكبار بعد معرفة الصواب وهذه المشكلة كانت السبب الرئيسي في عدم اتباع الأمم لرسلهم وهي التي أخرجت إبليس من رحمة الله تعالى ... يقول تعالى :
( ويل لكل أفاك أثيم ، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم ) (سورة الجاثية : آية / 7 ـ 8).
( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) (سورة البقرة : آية / 87).
( والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (سورة الأعراف : آية / 36).
( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين ) (سورة الأعراف : آية / 40).
هذه بعض العوائق التي تقف حائلا بيننا وبين معرفة الحق واتباعه ... والبحث الآتي بين طيات هذا الكتاب يحتاج لإزاحة مثل هذه الحجب وغيرها حتى يرى الإنسان الحقيقة كرؤيته للشمس في واضحة النهار والله المستعان.



:: الكاتب السوداني السيد عبد النعم حسن ::

 

ناقل/كاتب القصة : السيد عبد النعم حسن انقر هنا لمراسلة السيد عبد النعم حسن أنقر هنا للإنتقال إلى موقع السيد عبد النعم حسن إضافة للمفضلة إضافة لمفضلة Google إضافة لمفضلة Delicious إضافة لمفضلة Digg إضافة لمفضلة Facebook
خيارات القصة : ارسل القصة لصديق ارسل القصة لصديق  طباعة القصة طباعة القصة  حفظ القصة كملف Word حفظ القصة كملف Word  حفظ القصة كملف PDF حفظ القصة كملف PDF

التعليقات
لا يـوجـد تـعليـقات على هـذا القصة


خلاصة RSS للقصص